عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
62
اللباب في علوم الكتاب
وجواب آخر : أنّ قوله : « ولأمة » لم يرد به الرّقّ المملوك وإنّما أراد به الآدميّات والآدميين كقوله عليه الصّلاة والسّلام : « لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه » وكذا قوله : « وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ » وقوله : « وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا » هذا بالإجماع المراد منه الكلّ ، وأنّ المؤمنة لا يحلّ تزويجها بكافر البتّة على اختلاف أنواع الكفر ، والكلام في قوله : « وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ » على نحو ما تقدّم . فصل في نكاح المجوسيّة قال القرطبيّ « 1 » : اختلفوا في نكاح المجوسية « 2 » ؛ فمنع منه مالك والشّافعيّ ، وأبو حنيفة ، والأوزاعيّ وإسحاق . وقال أحمد : لا يعجبني « 3 » « 4 » . وروي أنّ حذيفة بن اليمان تزوّج مجوسية ، وأنّ عمر بن الخطّاب قال له : طلّقها . قال ابن القصّار : من قال كان لهم كتاب جوّز نكاحهنّ . قوله : « أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ » وهي نظير قوله تعالى : ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [ غافر : 41 ] ، وفي تأويلها وجوه : الأوّل : أنّهم يدعون إلى ما يؤدّي إلى النّار . فإن قيل : كيف يدعون إلى النّار ، وربّما لم يؤمنوا بالنّار أصلا ، فكيف يدعون إليها ؟ ! والجواب : أنّهم يدعون إلى ما يؤدّي إلى النّار ، فإنّ الظّاهر أن الزّوجيّة مظنة الألفة والمحبة والمودّة ، وكلّ ذلك يؤدّي إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه . فإن قيل : احتمال المحبّة حاصل من الجانين ، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافرا بسبب الألفة والمحبّة يحتمل أيضا أن يصير الكافر مسلما بسبب الألفة والمحبّة ، وإذا تعارض الاحتمالان ، تساقطا ، وبقي أصل الجواز . فالجواب : أنّ العمل إذا دار بين أن يلحقه نفع ، أو بين أن يلحقه ضرر ؛ وجب
--> يصلح نيته فيما بينه وبين اللّه ، ولو على نفسه يكفه اللّه ما بينه وبين الناس ، ومن تزين للناس بما يعلم اللّه منه غير ذلك يشنه اللّه ، فما ظنك بثواب غير اللّه - عز وجل - في عاجل رزقه ، وخزائن رحمته » . ينظر سنن الدارقطني 4 / 206 ، 207 . ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 48 . ( 2 ) ينظر في المجوس وأحكامهم : المحلى لابن حزم ح 9 ص 448 ، بدائع الصنائع 2 / 271 ، الخراج لأبي يوسف 735 ، فتح القدير 2 / 73 ، المغني لابن قدامة ح 7 ص 502 ، المواهب اللدنية 2 / 39 ، المبسوط 4 / 214 ، الأموال لأبي عبيد ص 310 ، المصباح المنير 1 / 139 ، القاموس المحيط 2 / 250 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 48 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .